المقريزي
171
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )
/ ذكر قاهرة المعزّ « a » اعلم أنّ « القاهرة المعزّيّة » رابع موضع انتقل سرير السّلطنة إليه من أرض مصر في الدولة الإسلامية ، وذلك أنّ الإمارة كانت بمدينة الفسطاط ، ثم صار محلّها العسكر خارج الفسطاط ، فلمّا عمّرت القطائع صارت دار الإمارة إلى أن خربت ؛ فسكن الأمراء بالعسكر إلى أن قدم القائد جوهر بعساكر مولاه الإمام المعزّ لدين اللّه معدّ ، فبنى القاهرة حصنا ومعقلا بين يدي المدينة ، وصارت القاهرة دار خلافة ينزلها الخليفة بحرمه وخواصّه إلى أن انقرضت الدّولة الفاطمية ؛ فسكنها من بعدهم السّلطان صلاح الدين يوسف بن أيّوب ، وابنه الملك العزيز عثمان ، وابنه الملك المنصور محمد ، ثم الملك العادل أبو بكر بن أيّوب ، وابنه الملك الكامل محمد وانتقل من القاهرة إلى قلعة الجبل ، فسكنها بحرمه وخواصّه ، وسكنها الملوك من بعده إلى يومنا هذا . فصارت القاهرة مدينة سكنى ، بعد ما كانت حصنا يعتقل به ودار خلافة يلتجأ إليها ، فهانت بعد العزّ ، وابتذلت بعد الاحترام . وهذا شأن الملوك ، ما زالوا يطمسون آثار من قبلهم ويميتون ذكر أعدائهم ، فقد هدموا بذلك السّبب أكثر المدن والحصون ، وكذلك كانوا أيام العجم وفي جاهلية العرب ، وهم على ذلك في أيام الإسلام ، فقد هدم عثمان بن عفّان صومعة غمدان وهدم الأطام التي كانت بالمدينة ، وقد هدم زياد كلّ قصر ومصنع كان لابن عامر ، وقد هدم بنو العبّاس مدن الشّام لبني مروان . [ الكامل ] وإذا تأمّلت البقاع وجدتها * تشقى كما تشقى الرّجال وتسعد وسيأتي من أخبار القاهرة والكلام على خططها وآثارها ، ما تنتهي إليه قدرتي ويصل إلى معرفته علمي ، وفوق كلّ ذي علم عليم .
--> ( a ) بولاق : ذكر القاهرة قاهرة المعز لدين اللّه .